مرحباا صبايا ..
هذي اول ثلاث محاضرات للدكتوره منال بسيوني ..النظريه
البااقي راح انزلهم اذاا ارسلتهم لي ...
بالتوفيق يااارب 

المقدمـة
قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك ، فقدمت عليه العرب ، فهابوا أن يكلموه ، وكان فيهم درواس بن حبيب ، وهو ابن ست عشرة سنة ، له ذؤابة ، وعليه شامتان ، فوقعت عين هشام بن عبد الملك عليه ، فقال لحاجبه : ما شاء أحدٌ أن يدخل عليَّ إلاَّ دخل حتى الصبيان ، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقاً ، فقال : يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرًا وطيًا ، وإنه لا يعرف ما في طيه إلاَّ بنشره ، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته ، فأعجبه كلامه ، وقال له : انشره لله دَرُّك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنونٌ ثلاث : سنة أذابتِ الشحم ، وسنة أكلتِ اللحم ، وسنة دقَّت العظم ، وفي أيديكم فضول مال ، فإن كان لله ففرقوها على عباده ، وإن كانت لهم ، فعلام تحبسونها عنهم ؟ ، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم ، فإنَّ الله يجزي المتصدقين ، فقال هشام : ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرًا ، فأمر البوادي بمئة ألف دينار ، وله بمائة ألف درهم ، ثم قال : ألا حاجة ؟ قال : ما لي في خاصة نفسي دون عامة المسلمين ، فخرج من عنده وهو من أجل القوم !
هكذا كان للكلمات – التي هي اللبنة الأولى لفن الأدب – فعل السحر الذي يدفع المتلقي إلى نوع من الاستجابة العملية إزاءها ، ولقد تعددت استجابات المتلقين إزاء العمل الأدبي ، فمنهم من تقف استجابته عند حد الانفعال بالعمل ومشاركته للأديب في انفعالاته ، ومشاعره وأحاسيسه ، ومن المتلقين من ينزع إلى نوعٍ من الاستجابة الظاهرة ، ويسلك سلوكاً عملياً نحو أداء عملٍ ما كأن يعمل ، أو يبني ، أو يزرع ، أو يشن الحرب ، أو يرتكب جرماً ، أو يخفض أجنحة السلام بين الأفراد أو الشعوب . إلى غير ذلك من مظاهر تُرى وتشاهد .
والتذوق الأدبي يرتبط ارتباطاً عضويًا باللغة ؛ لأنها مادة الأدب ، ولهذه اللغة وظيفة شعرية فنية ، تنعكس في لونٍ من التعبير الجميل تتوافر فيه ألوان من الصنعة وجماليات النظم، والتصوير الفني ، وهذه هي : لغـة الأدب التـي يستخدمهـا الأدبـاء والمبدعـون ؛ لنقـل انفعـالاتهم ، وتصـوير أحـاسيسهم ومشاعرهم ، والتعبير عن رؤاهم وأفكارهم بحيث يثيرون في المتلقي أحاسيس تدفعه للتأثر، ومشاركتهم إبداعهم .
والتذوق الأدبي في أرقى معانيه يعني :
« قدرة الفرد على إدراك نواحي الجمال والقبح في العمل الأدبي مما يجعله يقبل على قراءة عملٍ ما أو النفور منه وفقاً لحظ هذا النص من مقومات الجمال . »
وانطلاقاً من أهمية هذا الموضوع الشائق والمهم لكل التخصصات والمستويات جاء تدريس هذا المقرر؛ لإكساب الدارس ملكة التذوق الأدبي الرفيع ، وليأخذ بيده ليكون قادرًا على تذوق النصوص وتحليلها .
* * *
أولاً - ( الأدب : مفهومه ووظائفه )
الأدب من الفنون الجميلة التي تهدف إلى إحداث الفائدة والمتعة على حدٍ سواء في نفس الملتقي والتأثير فيه .... فما معنى الأدب وما هي وظائفه وما هي فنونه ؟
أولاً : مفهوم الأدب :
تطورت كلمة الأدب شأنها في ذلك شأن الكائن الحي بتطور الأمة , حيث انتقل معنى هذه الكلمة من المعنى المادي ، وهو الدعوة إلى الطعام إلى معنى معنوي وهو التهذيب والتحلي بمكارم الأخلاق , حتى استقرت الكلمة على مدلولها الحالي , وهو الكلام البليغ المؤثر في نفس السامع أو القارئ , يقول ابن منظور : »الأدب مصدر قولك أدب القوم يأدِبُهم -بالكسر- أدبًا إذا دعاهم إلى طعامه , والآدبُ الداعي إلى الطعام ، قال طرفة بن العبد :
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
والمأدُبة التي يصنع لها هذا الصنيع ، والمأدبة : هو الطعام الذي يصنعه الرجل , ويدعو إليه الناس » هذا هو المعنى الحسي للكلمة ، ثم تطورت الكلمة إلى معنى معنوي , تمثل في الدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق , والاتصاف بالخلال الحميدة . وبذلك صار معنى الأدب الذي يتأدبُ به الأديبُ من الناس , سمي أدبًا لأنه يأدب الناس إلى المحامد , وينهاهم عن القبائح , ونجد أن مدلول الكلمة في عصر بني أميّة زاد إلى هذا المعنى التهذيبي معنى آخر ، وهو المعنى التعليمي , حيث أُطلق على طائفة من المعلمين اسم المؤدبين , وهم الذين يعلمون أبناء الخلفاء والأمراء أصول الثقافة العربية الرفيعة من شعر ، وحكم ، وخطب ، ونوادر , علاوة على تعليمهم الأنساب العربية , وأيام العرب في الجاهلية والإسلام , ثم ضيق العلماء مدلول كلمة الأدب حتى قصروها على علوم اللغة العربية , حيث عنوا به ثمانية علوم ، وهي : النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي وصنعة الشعر وأخبار العرب وأنسابهم . ولقد تطور هذا المفهوم حتى أصبح علمًا على هذا الفن , الذي هو :
أو : ( التعبير الجميل عن تجربة صادقة مؤثرة في الآخرين )
والمراد بالتجربة هنا ما يجده الأديب في نفسه من عاطفة صادقة ؛ ينبض بها قلبه , أو فكرة ملحة يعتمل بها عقله , أو قضية من القضايا ينشغل بها وجدانه .
* * *
ثانيًا : وظائف الأدب :
للأدب مجموعة من الوظائف التي يؤديها سواء للفرد والمجتمع ، وهي كالآتي :
1- الوظيفة النفسية :
إنَّ الأديب حين يبدع عمله الأدبي فإنه يسعى إلى التنفيس عن عواطفه بفن القول ، أما المتلقي أو المتذوق للعمل الأدبي فإنه يقرأ الأعمال الأدبية لإشباع حاجاته النفسية , فتحقق له السكينة والإحساس بالراحة . لمشاركة المبدع أو المرسل في مشـاعره وإحسـاساته , فيفرح لفرحه , ويحزن لحزنه , يشاركه آماله وتطلعاته
2- الوظيفة الجمالية :
إن طرب المتلقي واستمتاعه بأي عمل أدبي إنما هو استجابة لمؤثرات فنية تثير ملكاته الفكرية والشعورية , وتبعث خبرته الجمالية , فإذا هو ينفعل بالكلمة الجميلة , والعبارة العذبة , والشعور الصادق , والتوازن الصوتي الرشيق المعبر عن المعنى , فإبداع الأديب هو الذي يبعث الخبرة الجمالية والمتعة لدى المتلقي أو المتذوق من خلال حسن وصف المبدع للأشياء , إذن الأدب باعث لمكامن الجمال النفس .
3- الوظيفة الاجتماعية :
يفترض أن يكون الأدب صورة صادقة لمجتمعه , وبذلك كان المتلقون حين يقرؤون أدباً لا يقرؤونه وحده ، إنما يقرؤون أنفسهم ومن حولهم ، وكأنهم يعيشون أحاسيسهم وأحاسيس مجتمعهم ؛ كما أن للأدب دورًا رئيسًا في بناء الإنسان وبناء المجتمع على حد سواء , فكم من كبوة تعرضت لها الأمة العربية والإسلامية وكان الأدب فيها باعثاً لها , وناهضًا للعزائم , ومشجعًا على تخطي العقبات والزلات ..وكم من المشاكل والقضايا الاجتماعية شارك الأدب في لفت النظر إليها ومناقشتها ..إذن الأدب ذاتي غيري في الوقت نفسه ؛ فهو ذاتي في صدوره عن صاحبه وفي تعبيره عن أحاسيسه ومشاعره , وهو غيري في تصويره لمشاعر الجماعة التي ينتمي إليها بما تحمله من قيم خلقية و اجتماعية وثقافية .
4- الوظيفة التاريخية :
للأدب علاقة وثيقة بالتاريخ ، والأدب تاريخ , ولكنه تاريخ من نوع خاص , إنه تاريخ لحياة أمـة من الأمم , وقد تأخذ الصلـة بين الأدب والتـاريخ عـدة صـور وضحَّها ( أحمد هيكـل ) في الآتي :
1-كتابة التاريخ في قالب أدبي , بأن يعرض التاريخ بلغة أدبية جذابة شائقة مؤثرة وممتعة , فيعرض هذا التاريخ في شكل رواية تاريخية .
2- استخدام بعض مادة هذا التاريخ القديم في كتابة عمل أدبي جديد ؛ إما لاستنهاض الهمم , أو لنقد واقع مُزرٍ , ولعل أبرز مثال على ذلك : مسرحية السلطان الحائر, فقد التقط المؤلف موقفًا تاريخيًا للفقيه عز الدين بن عبد السلام , الذي عاش أيام المماليك , وأفتى بأن المملوك لا تصح ولايته على الأحرار , وأن الحق يجب أن يعلو , حيث لا شيء ولا أحد فوق هذا الحق أو القانون .
3- الجمع بين الصورتين السابقتين , بحيث أن المبدع يعرض التاريخ في شكل أدبي أولاً , ثم يعقبه بالإدلاء برأيه , ولعل أوضح مثال على ذلك : مسرحية كليوباترة لأمير الشعراء أحمد شوقي حيثُ عرض لسيرة هذه الملكة شعرًا ، وحاول أن يجد مبررًا لأفعالها التي بدت غير لائقة بها وبمكانتها
الرفيعة ، وأنها إنما كانت حيلاً سياسية ، وتضحيات من أجل عرض مصر وكرامة الوطن .
4- استحضار بعض الشخصيات ، أو الأماكن ، أو الأحداث ، وتوظيفها توظيفًا أدبيًا بحيث يكون رمزًا ، أو تلميحًا ، أو تذكيرًا ، وأوضح مثال لذلك :(مأساة التاريخ) للشاعر عبدالرحمن العشماوي فقد تحدث فيها عن مقتل عمر بن الخطاب بطريقة شاعرية جميلة .
وللأديب أن يتعامل مع المادة التاريخية تقديمًا أو تأخيرًا ، أو حذفًا لبعض جزئيـاتها إذا كانت لا تضيف لعملـه الأدبـي شيئـاً بشـرط:
- أن تكـون له رؤى وأطروحـات يريد طرحها .
- وأن يأتي بالموثوق منها ، ويبتعد عن الروايـات الضعيفـة التي تشـوه الحقائق ...
كل هذا يتم بلغة أدبية راقية ، وبالتالي : يتحقق للأدب متعته وفنيته ، وللتاريخ قدسيته وحرمته .
5- الوظيفة التعليمية :
1- تخفيف أذهان الطلاب من أثقال الدراسة العقلية ، و صرامة التعاريف والقوانين ، والضوابط ، والحدود ، والرسوم ، والتقاسيم ، ونحو ذلك من مقومات الدراسة العلمية الجافة .
2- الإسهام في تنمية المهارات اللغوية لدى الدارسين ، من خلال الإلقاء الجيد المعبر الذي يتطلب مجموعة من المهارات كإخراج الصوت من مخرجه السليم ، و إعطائه حقه من التفخيم والترقيق ، وتنويع الصوت وتنغيمه تبعاً للحالة النفسية والموقف الذي يتطلبه ، فضلاً عن القراءة في وحدات فكرية مكتملة المعنى . ويمكِّن الطالب من مواجهة الجمهور ، فيكسبه الجرأة والشجاعة فضلاً عن أن هذه القراءة الجهورية تمكن المعلم من ملاحظة العيوب النطقية والصعوبات ، فيقوم بعلاجها ..
3- إكساب الطلاب ثروة لغوية تمكنهم من التعبير , كما يكسبهم مجموعه من الأساليب والتعبيرات التي يوظفونها في أحاديثهم أو في كتاباتهم .
4- تنمية التذوق الأدبي ، فهو يعين الطلاب على فهم النصوص الأدبية وتحليلها , كما يدربهم على النقد العلمي الموضوعي عن طريق التمييز بين الأساليب المختلفة . وهذه الملكة لا تحصل بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين ، ولكنها تحصل بقراءة الجيد من المنظوم والمنثور، والتفطن إلى خواص الحسن والقبح في العمل الأدبي .
5- غرس القيم في نفوس الناشئة , من خلال تقديم النماذج والمثل العليا التي تدعو إلى التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل لما يتضمنه الأدب من حكم وأمثال وعبر .
والأدب يحدث تأثيرًا في نفس القارئ أو السامع , ويتمثل في ثلاثة جوانب رئيسة هي :
الجانب المعرفي أو العقلي .
الجانب الوجداني أو النفسي .
الجانب الأدائي أو السلوكي .
أما عن الجانب المعرفي أو العقلي فإن الأدب يعد مادة ثرية لإكساب الطلاب خبرات وتجارب مختلفة , تجارب وخبرات أصحابها الذاتية أو الموضوعية , فتزيد رصيده المعرفي والثقافي و القيمي عن
طريق إطلاعه على روائع الأعمال الأدبية .